مجمع البحوث الاسلامية
160
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
اللّه سبحانه ، والسّيّئات وهي الأمور الّتي تسوء الإنسان كالمرض والذّلّة والمسكنة والفتنة ، كلّ ذلك يعود إلى الإنسان لا إليه سبحانه . فالآية قريبة مضمونا من قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الأنفال : 53 ، ولا ينافي ذلك رجوع جميع الحسنات والسّيّئات بنظر كلّيّ آخر إليه تعالى ، كما سيجيء بيانه . كلام في استناد الحسنات والسّيّئات إليه تعالى يشبه أن يكون الإنسان أوّل ما تنبّه على معنى الحسن ، تنبّه عليه من مشاهدة الجمال في أبناء نوعه الّذي هو اعتدال الخلقة ، وتناسب نسب الأعضاء وخاصّة في الوجه ، ثمّ في سائر الأمور المحسوسة من الطّبيعيّات ، ويرجع بالآخرة إلى موافقة الشّيء لما يقصد من نوعه طبعا . فحسن وجه الإنسان كون كلّ من العين والحاجب والأذن والأنف والفم وغيرها على حال أو صفة ، ينبغي أن يركّب في نفسه عليها ، وكذا نسبة بعضها إلى بعض ، وحينئذ تنجذب النّفس ويمييل الطّبع إليه ، ويسمّى كون الشّيء على خلاف هذا الوصف بالسّوء والمساءة والقبح ، على اختلاف الاعتبارات الملحوظة ، فالمساءة معنى عدميّ ، كما أنّ الحسن معنى وجوديّ . ثمّ عمّم ذلك إلى الأفعال والمعاني الاعتباريّة والعناوين المقصودة في ظرف الاجتماع ؛ من حيث ملاءمتها لغرض الاجتماع ، وهو سعادة الحياة الإنسانيّة أو التّمتّع من الحياة ، وعدم ملاءمتها فالعدل حسن ، والإحسان إلى مستحقّه حسن ، والتّعليم والتّربية والنّصح وما أشبه ذلك في مواردها حسنات ، والظّلم والعدوان وما أشبه ذلك سيّئات قبيحة ، لملاءمة القبيل الأوّل لسعادة الإنسان ، أو لتمتّعه التّامّ في ظرف اجتماعه وعدم ملاءمته القبيل الثّاني لذلك . وهذا القسم من الحسن وما يقابله تابع للفعل الّذي يتّصف به من حيث ملاءمته لغرض الاجتماع ، فمن الأفعال ما حسنه دائميّ ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع وغرضه كذلك كالعدل ، ومنها ما قبحه كذلك كالظّلم . ومن الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال والأوقات والأمكنة أو المجتمعات ، فالضّحك والدّعابة حسن عند الخلّان لا عند الأعاظم ، وفي محافل السّرور دون المآتم ، ودون المساجد والمعابد ، والزّنى وشرب الخمر حسن عند الغربيّين دون المسلمين . ولا تصغ إلى قول من يقول : إنّ الحسن والقبح مختلفان متغيّران مطلقا من غير ثبات ولا دوام ولا كلّيّة ، ويستدلّ على ذلك في مثل العدل والظّلم ، بأنّ ما هو عدل عند أمّة بإجراء أمور من مقرّرات اجتماعيّة ، غير ما هو عدل عند أمّة أخرى بإنفاذ مقرّرات أخرى اجتماعيّة ، فلا يستقرّ معنى العدل على شيء معيّن ، فالجلد للزّاني عدل في الإسلام وليس كذلك عند الغربيّين ، وهكذا . وذلك أنّ هؤلاء قد اختلط عليهم الأمر ، واشتبه المفهوم عندهم بالمصداق ، ولا كلام لنا مع من هذا مبلغ فهمه . والإنسان على حسب تحوّل العوامل المؤثّرة في